التعليم الجامعي والتعلم الذاتي، لمن الغلبة اليوم في سوق العمل؟

يزن النجّار
يزن النجّار
April 4, 2022

اكتشف صديقي عماد بعد تخرجه بأن شغفه في الحياة العملية لا يتماشى وشهادته الجامعية في مجال الهندسة الميكانيكية، لذلك قرر أن يسلك درب التعلم الذاتي ليكتشف المجال الأنسب له، وإيمانًا منه بأهمية العمل، التحق بوظيفة نادل في أحد المطاعم ليوفر نفقات المعيشة لحين قدرته على العمل بالمهارات التي اكتسبها من رحلته في التعلم الذاتي.

بدأ عماد بدراسة عدد من لغات البرمجة مثل PHP، وHTML، وPython، وبعد مرور ثمانية أشهر، التحق بوظيفة مهندس برمجيات لدى إحدى أكبر الشركات التقنية في المنطقة.

لطالما كانت قصة عماد مصدر إلهام بالنسبة لي، وما يزيد من تأثيرها وواقعيتها أن مسؤولي التوظيف بدأوا بتبني ثقافة التوظيف التي تفضل المهارات عن الخبرة العملية أو الشهادات الجامعية. أذكر هنا جزءًا من مقالة قرأتها على موقع Forbes: "بدأت الشركات بتوظيف الكفاءات التي تسد حاجاتها المستقبلية، لا المعتمدة على مهارات وخبرات من الماضي".

وضح Laszlo Bock، مدير العمليات البشرية السابق لدى شركة جوجل، في إحدى المقابلات عن السبب وراء تبني الشركة ثقافة التوظيف وفقًا للمهارات عوضًا عن المعدل التراكمي الجامعي ذاكرًا الآتي: "بيئات التعلم الأكاديمية اصطناعية بشكل كبير ولا تعكس الحياة العملية الواقعية، ولذا ينتج عنها أشخاص مُدربون على الإجابة عن الأسئلة في إطار محدد، الأمر الذي لا يحمل قيمة حقيقة في الحياة العملية التي تعتمد بشكل كبير على التفكير الإبداعي.

عقدت شركة جوجل في بداية المقابلة دراسة تشمل آلاف المقابلات الشخصية التي تمت في مقر الشركة لفرز المتميزين في مجال التوظيف، إذ قارنت بين نتائج مسؤولي التوظيف الأكاديمية وكفاءة المرشحين الذين وقع عليهم الاختيار. تبين أن لا علاقة لدرجات مسؤولي التوظيف الأكاديمية بدقة اختيارهم.

ومن تلك اللحظة تغيرت منهجية التوظيف في شركة جوجل للتركيز على "المقابلات السلوكية" والتي تعني طرح مجموعة محددة من الأسئلة لمعرفة سلوكياتهم في مواقف معينة.

طوق النجاة الجديد The New Collar

اتخذ توجه التوظيف وفقًا للمهارات مفهومًا جديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية عرف بـ "الطوق الجديد – New Collar"، وقد تم ترسيخه بواسطة الحكومة الأمريكية بموجب أمر إداري ينص على تخفيف التركيز على المتطلبات الأكاديمية عند التعيين للوظائف الحكومية، حتى أن بعض الشركات المعروفة مثل IBM تبنت نفس المنهجية لدرجة أنها قد وظفت بعض الموهوبين ممن لا يمتلكون شهادة جامعية. 

يذكر بأن Ginni Rometty، الرئيسة التنفيذية لشركة IBM هي من ابتكرت مصطلح "الطوق الجديد – The New Collar".

العديد من الشركات الكبيرة الأخرى مثل Apply، وEY، وStarbucks، وHome Depot، وBank of America، و Hilto تبنت هذه المنهجية في التوظيف، لذلك ليس من الغريب أن مواقع التوظيف عبر الإنترنت مثل ZipRecruiter أشارت بأن هناك زيادة كبيرة في عدد الوظائف التي لا تتطلب شهادة جامعية.

long sleeve checkered shirt wooden hanger hang clothing rack white background
التعليم الجامعي والتعلم الذاتي، لمن الغلبة اليوم في سوق العمل؟ طوق النجاة الجديد

احتد النقاش مؤخرًا بخصوص استخدام الشهادات والدرجات الجامعية كعامل فرز لا يعطي لأصحاب المهارات ولا الشهادات فرصتهم، وهناك العديد من الأسباب وراء التحول من عالم معتمد على الدرجات إلى عالم معتمد على المهارات أهمها بطء عملية التوظيف المعتمد على عملية الفرز وفقًا لقائمة محددة من المعايير على رأسها الدرجات الجامعية.

 وفقًا لـ HRForecast، تستغرق عملية التوظيف في ألمانيا 70 يومًا في المتوسط، يعود ذلك إلى "مراجعة واختبار المهارات في نهاية عملية التوظيف لا بدايتها وبالتالي يضيع الكثير من الوقت على ما لا ينفع بدلًا من التركيز على المهارات التي ستعود عليهم وعلى الشركة بالنفع".

عواقب التعليم التلقيني

في مقالة مفصلة بعنوان "الفشل الذريع لنظام التعليم العالي الأمريكي" بقلم Atkinson أحد كبار المُفكرين والمؤلفين في الولايات المُتحدة ورئيس ITIF، يستعرض صعوبات توظيف حديثي التخرج لدرجة أن أغلب المُرشحين لم يستطيعوا تأدية بعض المهام البسيطة مثل عمل جدول بيانات على برنامج الإكسل بالرغم من أنهم قد تخرجوا من كبرى الجامعات مثل Princeton و Boston.

علل Atiknson هذا الفشل الذريع بأن تركيز الجامعات ينصب على تلقين المعلومات لا تعلم المهارات، وأن الأساتذة الجامعيين لا يهتمون بمهارات التدريس والشرح الفعالة: " همهم -أي الجامعات- تلقين المحتوى العلمي الذي حفظوه عن ظهر قلب بعد تكراره لسنوات طويلة، لا تعليم مهارات التفكير المنطقي، والمُناقشة، والكتابة، والبحث، والمهارات الأخرى المُهمة لسوق العمل".

شهد التعليم عبر الإنترنت إقبالًا شديدًا في الآونة الأخيرة لسهولته، ومرونته، واهتمامه بالجوهر لا التفاصيل غير الهامة، فمن النادر جدًا أن تجد مساقًا مفتوحًا تستغرق دراسته 4 سنوات، كما أن بيئة الأعمال والمشاريع بدأت في التركيز على نموذج التعليم الأونلاين أو التعليم عن بعد.

اقرأ أيضًا: مُستقبل التعليم: هل ستستبدل تقنيات التعليم عن بعد التعليم التقليدي؟‎‎

وفقًا لتقرير التعلم في مقر العمل من منصة LinkedIn لعام 2018 "يعتمد مطوروا المهارات على حلول التعليم الأونلاين بشكل أساسي في الوقت الحالي"، وهذا يُثبت أنها تركز على المهارات المهمة لا التلقين، لدرجة أن 68% من الموظفين يفضلون تعلم هذه الدورات أثناء ساعات العمل، و58% يفضلون التعلم وفقًا لجدولهم الزمني وأوقات فراغهم.

هذه الأرقام ليست دليلًا قاطعًا على جودة ومزايا التعليم عن بُعد والمساقات المفتوحة فحسب، بل أيضًا على عيوب وقصور نظام التعليم التقليدي.

أظهر أيضًا أحد أبحاث منصة LinkedIn أن مُعدل دوران العمالة أقل للموظفين الذين لا يحملون شهادة جامعية، وهو سبب آخر لتفضيل الشركات أصحاب المهارات على حاملي الشهادات.

ولا ننسى أيضًا عامل المهارات المُشتركة الذي إذا أُحسن استخدامه، سيساهم في توظيف أصحاب المهارات بشكل أسرع وأسهل بما يناسب مهاراتهم.

أطلقت منصة LinkedIn بالتعاون مع شركة Microsoft أداة Career Explorer والتي تساعد الأشخاص على الالتحاق بوظائف تناسب مهاراتهم لا شهاداتهم الجامعية، ومن الأمثلة على ذلك: وجود تشابه بنسبة 71% في المهارات اللازمة لوظائف خدمة العُملاء وتقديم الطعام (النادل).

لا يتنافى ما ذكرناه سابقًا مع كون الجامعات والشهادات الجامعية ذات أهمية خصوصًا لبعض الوظائف والأدوار، إلا أن منهجيات التعلم الذاتي والتسلح بالمهارات العملية اللازمة للنجاح في سوق العمل بدأت تلقى الرواج الذي تستحق واضعة بذلك حدًا للأعذار من قبيل عدم توافر المال أو الوقت للالتحاق بالجامعات.

مئات الفرص والخيارات تتجدد أمامنا يومًا بعد يوم، والأمر متروك بين أيدينا لنتجاوز السلبيات ونبدأ في اقتناص الفرص الضائعة لنبني مسارات مهنية مُشرفة ترفع شعار "المهارات أولًا".

يزن النجّار

مستشار أعمال وطالب إدارة أعمال في جامعة ليفربول - بريطانيا

التعليم الجامعي والتعلم الذاتي، لمن الغلبة اليوم في سوق العمل؟

My story with Phi
Bioinformatics and ROS for Robot Arm Specialization Courses
| Phi Science
يزن النجّار
4 أبريل 2022

اكتشف صديقي عماد بعد تخرجه بأن شغفه في الحياة العملية لا يتماشى وشهادته الجامعية في مجال الهندسة الميكانيكية، لذلك قرر أن يسلك درب التعلم الذاتي ليكتشف المجال الأنسب له، وإيمانًا منه بأهمية العمل، التحق بوظيفة نادل في أحد المطاعم ليوفر نفقات المعيشة لحين قدرته على العمل بالمهارات التي اكتسبها من رحلته في التعلم الذاتي.

بدأ عماد بدراسة عدد من لغات البرمجة مثل PHP، وHTML، وPython، وبعد مرور ثمانية أشهر، التحق بوظيفة مهندس برمجيات لدى إحدى أكبر الشركات التقنية في المنطقة.

لطالما كانت قصة عماد مصدر إلهام بالنسبة لي، وما يزيد من تأثيرها وواقعيتها أن مسؤولي التوظيف بدأوا بتبني ثقافة التوظيف التي تفضل المهارات عن الخبرة العملية أو الشهادات الجامعية. أذكر هنا جزءًا من مقالة قرأتها على موقع Forbes: "بدأت الشركات بتوظيف الكفاءات التي تسد حاجاتها المستقبلية، لا المعتمدة على مهارات وخبرات من الماضي".

وضح Laszlo Bock، مدير العمليات البشرية السابق لدى شركة جوجل، في إحدى المقابلات عن السبب وراء تبني الشركة ثقافة التوظيف وفقًا للمهارات عوضًا عن المعدل التراكمي الجامعي ذاكرًا الآتي: "بيئات التعلم الأكاديمية اصطناعية بشكل كبير ولا تعكس الحياة العملية الواقعية، ولذا ينتج عنها أشخاص مُدربون على الإجابة عن الأسئلة في إطار محدد، الأمر الذي لا يحمل قيمة حقيقة في الحياة العملية التي تعتمد بشكل كبير على التفكير الإبداعي.

عقدت شركة جوجل في بداية المقابلة دراسة تشمل آلاف المقابلات الشخصية التي تمت في مقر الشركة لفرز المتميزين في مجال التوظيف، إذ قارنت بين نتائج مسؤولي التوظيف الأكاديمية وكفاءة المرشحين الذين وقع عليهم الاختيار. تبين أن لا علاقة لدرجات مسؤولي التوظيف الأكاديمية بدقة اختيارهم.

ومن تلك اللحظة تغيرت منهجية التوظيف في شركة جوجل للتركيز على "المقابلات السلوكية" والتي تعني طرح مجموعة محددة من الأسئلة لمعرفة سلوكياتهم في مواقف معينة.

طوق النجاة الجديد The New Collar

اتخذ توجه التوظيف وفقًا للمهارات مفهومًا جديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية عرف بـ "الطوق الجديد – New Collar"، وقد تم ترسيخه بواسطة الحكومة الأمريكية بموجب أمر إداري ينص على تخفيف التركيز على المتطلبات الأكاديمية عند التعيين للوظائف الحكومية، حتى أن بعض الشركات المعروفة مثل IBM تبنت نفس المنهجية لدرجة أنها قد وظفت بعض الموهوبين ممن لا يمتلكون شهادة جامعية. 

يذكر بأن Ginni Rometty، الرئيسة التنفيذية لشركة IBM هي من ابتكرت مصطلح "الطوق الجديد – The New Collar".

العديد من الشركات الكبيرة الأخرى مثل Apply، وEY، وStarbucks، وHome Depot، وBank of America، و Hilto تبنت هذه المنهجية في التوظيف، لذلك ليس من الغريب أن مواقع التوظيف عبر الإنترنت مثل ZipRecruiter أشارت بأن هناك زيادة كبيرة في عدد الوظائف التي لا تتطلب شهادة جامعية.

long sleeve checkered shirt wooden hanger hang clothing rack white background
التعليم الجامعي والتعلم الذاتي، لمن الغلبة اليوم في سوق العمل؟ طوق النجاة الجديد

احتد النقاش مؤخرًا بخصوص استخدام الشهادات والدرجات الجامعية كعامل فرز لا يعطي لأصحاب المهارات ولا الشهادات فرصتهم، وهناك العديد من الأسباب وراء التحول من عالم معتمد على الدرجات إلى عالم معتمد على المهارات أهمها بطء عملية التوظيف المعتمد على عملية الفرز وفقًا لقائمة محددة من المعايير على رأسها الدرجات الجامعية.

 وفقًا لـ HRForecast، تستغرق عملية التوظيف في ألمانيا 70 يومًا في المتوسط، يعود ذلك إلى "مراجعة واختبار المهارات في نهاية عملية التوظيف لا بدايتها وبالتالي يضيع الكثير من الوقت على ما لا ينفع بدلًا من التركيز على المهارات التي ستعود عليهم وعلى الشركة بالنفع".

عواقب التعليم التلقيني

في مقالة مفصلة بعنوان "الفشل الذريع لنظام التعليم العالي الأمريكي" بقلم Atkinson أحد كبار المُفكرين والمؤلفين في الولايات المُتحدة ورئيس ITIF، يستعرض صعوبات توظيف حديثي التخرج لدرجة أن أغلب المُرشحين لم يستطيعوا تأدية بعض المهام البسيطة مثل عمل جدول بيانات على برنامج الإكسل بالرغم من أنهم قد تخرجوا من كبرى الجامعات مثل Princeton و Boston.

علل Atiknson هذا الفشل الذريع بأن تركيز الجامعات ينصب على تلقين المعلومات لا تعلم المهارات، وأن الأساتذة الجامعيين لا يهتمون بمهارات التدريس والشرح الفعالة: " همهم -أي الجامعات- تلقين المحتوى العلمي الذي حفظوه عن ظهر قلب بعد تكراره لسنوات طويلة، لا تعليم مهارات التفكير المنطقي، والمُناقشة، والكتابة، والبحث، والمهارات الأخرى المُهمة لسوق العمل".

شهد التعليم عبر الإنترنت إقبالًا شديدًا في الآونة الأخيرة لسهولته، ومرونته، واهتمامه بالجوهر لا التفاصيل غير الهامة، فمن النادر جدًا أن تجد مساقًا مفتوحًا تستغرق دراسته 4 سنوات، كما أن بيئة الأعمال والمشاريع بدأت في التركيز على نموذج التعليم الأونلاين أو التعليم عن بعد.

اقرأ أيضًا: مُستقبل التعليم: هل ستستبدل تقنيات التعليم عن بعد التعليم التقليدي؟‎‎

وفقًا لتقرير التعلم في مقر العمل من منصة LinkedIn لعام 2018 "يعتمد مطوروا المهارات على حلول التعليم الأونلاين بشكل أساسي في الوقت الحالي"، وهذا يُثبت أنها تركز على المهارات المهمة لا التلقين، لدرجة أن 68% من الموظفين يفضلون تعلم هذه الدورات أثناء ساعات العمل، و58% يفضلون التعلم وفقًا لجدولهم الزمني وأوقات فراغهم.

هذه الأرقام ليست دليلًا قاطعًا على جودة ومزايا التعليم عن بُعد والمساقات المفتوحة فحسب، بل أيضًا على عيوب وقصور نظام التعليم التقليدي.

أظهر أيضًا أحد أبحاث منصة LinkedIn أن مُعدل دوران العمالة أقل للموظفين الذين لا يحملون شهادة جامعية، وهو سبب آخر لتفضيل الشركات أصحاب المهارات على حاملي الشهادات.

ولا ننسى أيضًا عامل المهارات المُشتركة الذي إذا أُحسن استخدامه، سيساهم في توظيف أصحاب المهارات بشكل أسرع وأسهل بما يناسب مهاراتهم.

أطلقت منصة LinkedIn بالتعاون مع شركة Microsoft أداة Career Explorer والتي تساعد الأشخاص على الالتحاق بوظائف تناسب مهاراتهم لا شهاداتهم الجامعية، ومن الأمثلة على ذلك: وجود تشابه بنسبة 71% في المهارات اللازمة لوظائف خدمة العُملاء وتقديم الطعام (النادل).

لا يتنافى ما ذكرناه سابقًا مع كون الجامعات والشهادات الجامعية ذات أهمية خصوصًا لبعض الوظائف والأدوار، إلا أن منهجيات التعلم الذاتي والتسلح بالمهارات العملية اللازمة للنجاح في سوق العمل بدأت تلقى الرواج الذي تستحق واضعة بذلك حدًا للأعذار من قبيل عدم توافر المال أو الوقت للالتحاق بالجامعات.

مئات الفرص والخيارات تتجدد أمامنا يومًا بعد يوم، والأمر متروك بين أيدينا لنتجاوز السلبيات ونبدأ في اقتناص الفرص الضائعة لنبني مسارات مهنية مُشرفة ترفع شعار "المهارات أولًا".

Bana-img

يزن النجّار

مستشار أعمال وطالب إدارة أعمال في جامعة ليفربول - بريطانيا